· الدنيا عند السلف الصالح

· الدنيا عند السلف الصالح

كان أصحاب النبي ﷺ يعملون، ويزاولون الكثير من الحِرف والمهن، كالتجارة، والزراعة، والتعليم، والعمل على الزكاة، والقضاء وغير ذلك من الأعمال، ولم يكن الواحد منهم يجلس كَلّا على أصحابه بدون عمل يعمله، أو يسأل الناس وهو يقدر على العمل.

فلم يمنعهم طلب العلم والصحبة الشريفة عن العمل والتكسب، وكان كثير منهم من يتعلم العلم والقرآن ويتدارسونه بالليل، ثم يزاولون عملهم بالنهار، ويتكسبون منه وينفقون منه في سبيل الله ويتصدقون، ويقومون بمصالح أسرهم وعوائلهم، ويقضون الوقت مع أطفالهم، وقد ثبت ذلك عن جمع من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ، وفضلائهم، لم يشغلهم شأن عن شأن.

روى النسائي في السنن الكبرى عن بِلَال بْن سَعْدٍ، قَالَ: " أَدْرَكْتُهُمْ يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ، [ يعني: يتسابقون في الجري ]، وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ، كَانُوا رُهْبَانًا ".

قال الحسن البصري: أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون من الدنيا بشيء أقبل، ولا يتأسفون على شيء منها أدبر، وكانت عندهم أهون من هذا التراب كان أحدهم يعيش عمره كله ماله ثوب زائد فيطوى، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا، أدركتهم عاملين بكتاب الله تعالى وبسنة نبيهم، إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون ربهم في فكاك رقابهم، إذا عملوا حسنة فرحوا بها وداموا على شكرها وسألوا الله تعالى أن يقبلها، وإذا عملوا سيئة حزنوا على فعلها وتابوا إلى الله منها، وسألوا الله تعالى أن يغفرها لهم، والله مازالوا كذلك ووالله ماسلموا من الذنوب ولا نجوا إلا بالمغفرة (إحياء علوم الدين).

وكذلك كان حال جيل التابعين رحمهم الله مع الدنيا؛ بل كان فيهم من هو أكثر عملاً من الصحابة رضي الله عنهم، حتى قال ابن مسعود للتابعين: لأنتم أكثر عملاً من أصحاب رسول الله ﷺ ولكنهم كانوا خيراً منكم، كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة (معنى الزهد والمقالات).

كان الربيع بن خثيم، يكثر البكاء من خشية الله، ولما رأت أمه كثرة بكائه واجتهاده قالت: يابني لعلك قتلت قتيلا فأنت خائف من ذنوبه، قال: نعم يا أماه، قالت: فقل لنا من هو لعلنا نطلب من أهله أن يسامحوك.. فوالله لو رأوا ماتصنع بنفسك لرحموك، قال: يا أماه إنما هي نفسي قتلتها بتقصيري في حقوق الله تعالى (رهبان الليل).

وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنّه بكى يوما بين أصحابه فسئل عن ذلك فقال: "فكّرت في الدّنيا ولذّاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتّى تكدّرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إنّ فيها مواعظ لمن ادّكر" (تفسير ابن كثير).

وجاء في سير أعلام النبلاء أن ابنًا لسليمان بن عبد الملك، جاء فجلس إلى جنب الإمام طاوس بن كيسان فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين، فلم يلتفت إليه، قال: أردت أن يعلم أن لله عباداً يزهدون فيما بين يديه.