أهوال يوم القيامة

أهوال يوم القيامة
إن مجرد محاولة تصور ما سيحدث في هذا اليوم لكفيل بزلزلة كيان الإنسان النفسي فما سيحدث سيكون أمر يفوق طاقة البشر مجتمعين فما بالنا وكل إنسان يأتي فردا..إن مجرد انتظار الحساب ومعرفة المصير الأبدي..هل سيغفر له الله ذنوبه وآثامه ويقبل معذرته أم انه سيكون من هؤلاء الذين سيصيبهم العمى ولا ينظر لهم ربهم في هذا اليوم العصيب..إن تصور أن هناك كشف حساب لن يغادر صغيرة ولا كبيرة لأمر مرعب حقا إنه الانتظار الطويل في يوم لا يشبه يوما آخر مر به الإنسان من قبل..يوم مقداره خمسين ألف سنة ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 6].فماذا سيصنع الإنسان في هذا اليوم وهو وحيد عاري واقفا في قلب الزحام الشديد وقد دنت الشمس من رأسه فأخذ يتصبب عرقا حتى أصبح شبه غارق في هذا العرق..لعل كل ما مر به في القبر في تلك الرحلة البرزخية التي امتدت لسنوات طويلة لم يشعر بها إلا كيوم أو بعض يوم ربما تمنحه شئ من الأمل الصغير أو لربما تجسد له إشارات لما هو آت ولكن ما عساها هذه الرحلة البرزخية تمثل في هذا اليوم العصيب ذو الوجه المهول أو كما يقول ابن كثير:
يقومون حفاة عراة غرلًا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى والحواس عنه.
بالفعل تعجز الحواس عن تصور ما يحدث وكيف سيحدث وكيف يمكن تحمل ما سيحدث ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر- رضي الله عنه - عن النبي- صلى الله عليه وسلم -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾: "يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ وروى البخاري ومسلم أيضا من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ"
الجميع إذن في موقف لا يمكن تصوره غارقا في عرقه يعاني الحر الشديد ويختلف الشعور بهذا الحر وما ينتج عنه من عرق بحسب أعمال كل إنسان فلقد روى مسلم في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود- رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول: "تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ"، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ؟ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ، قَالَ: "فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا"، قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ.
قال بعض شراح الحديث فأشدهم في العرق الكفار ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار
قال ابن حجر:ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها.
وصف الله عز وجل هذا اليوم باليوم العظيم..اليوم المذهل..يوم العذاب
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج/ 1، 2).
وهذا الموقف مع شدته وكرب الناس فيه فهو أيضًا موقف طويل جدًّا مقداره خمسين ألف سنة.
قال ابن كثير:
وفي حديث أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون، وقيل: يقومون ثلاث مئة سنة، وقيل: يقومون أربعين ألف سنة، ويُقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا ﴾ [النبأ: 38، 39].
وعن عبد الله ابن مسعود- رضي الله عنه - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "يَجْمَعُ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَومٍ مَعْلُومٍ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُم إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضَاءِ..." رواه الطبراني. إنه هول الانتظار
وكان النبي- صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من أهوال هذا اليوم الشديد وضيقه فعن ربيعة الجرشي- رضي الله عنه - قال: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلتُ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ وَبِمَ كَانَ يَسْتَفْتِحُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُكَبِّرُ عَشْرًا، وَيُسَبِّحُ عَشْرًا، وَيُهَلِّلُ عَشْرًا، وَيَسْتَغْفِرُ عَشْرًا، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي" عَشْرًا، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضِّيقِ يَوْمَ الحِسَابِ" عَشْرًا" رواه أحمد.
إنه يوم القيامة..اليوم الآخر.. يوم الآزفة..يوم البعث.. يوم التغابن.. يوم التلاق.. يوم التناد.. يوم الجمع..يوم الحساب..يوم الحسرة..يوم الخلود
وعلى الرغم من أهوال هذا اليوم إلا أن الله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده يخفف الأمر على عباده المؤمنين ويرزقهم أمنا في قلوبهم يمنعهم من الحزن والفزع قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 101: 103]. قال بعض المفسرين: الفزع الأكبر: النفخ في الصور.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ مِقْدَارَ نِصْفِ يَومٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ، يُهَوِّنُ ذَلِكَ عَلَى المُؤمِنِينَ كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلغُرُوبِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ" (رواه ابن حبان).
ومن المبشرات أيضًا قول الله تعالى: ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ [الفرقان: 24]، قال ابن عباس - رضي الله عنهما إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين، وكذا قال ابن مسعود- رضي الله عنه - في قراءة له: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ﴾ [الصافات: 68]، وقال سعيد بن جبير- رحمه الله -: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثم قرأ الآية: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 27]
ومن هؤلاء الآمنين الذين لا يعانون الحر والعرق والعطش هؤلاء السبعة الذين يقفون في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله ("إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ"رواه مسلم.


كلمات دليلية: