وصف الحياة الدنيا بأنها زينة

وصف الحياة الدنيا بأنها زينة

قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) [الكهف7-8[، فكل ما في الدنيا من زينة إنما هي محض اختبار، وجعل الله جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومساكن طيبة، ومناظر مبهجة، وذهب وفضة، كل هذا جعله الله زينة لهذه الدار، ومجرد فتنة وابتلاء.

فمن نظر إلى حقيقة زينة الدنيا، وعلم المقصود منها ومنه، فإنه يأخذ منها على قدر ما يستعين به على أداء المهمة التي خلق لها، وهذا بأحسن المنازل عند الله، وهو حقيق منه بكل كرامة ونعيم عند الله، أما المغتر الذي ينبهر بظاهر الدنيا، ولا يعمل لآخرته، فتكون حسرته حسرتين؛ الأولى على فوات زينة الدنيا التي سيفارقها لا محالة، والثانية على فوات متاع الآخرة، فشتان ما بين حال الفريقين.

فكل زينة دنيوية لا محالة زائلة؛ روى الحاكم في المستدرك من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: جاء جبريل - عليه السلام - إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به) صححه الألباني.

فأهل الدين يشتغلون بالمقاصد، وأهل الدنيا يشتغلون بالزينات واللهو واللعب، والله أمرنا أن نأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعمل للآخرة بقدر الطاقة، وإذا تعارضت في حياتنا الأشياء والزينات مع المقصد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله ﷺ، قَدَّمنا ما يحب الله، وهو عبادته وطاعته، وطاعة رسوله ﷺ.

وبالرغم من أن الله لم يحرم الزينة على عباده المؤمنين لكنه نهاهم عن الاغترار بها والإفراط فيها ودعاهم إلى أن يكون همّهم الأول زينة الآخرة لا الدنيا (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ] (الأعراف: 32[.

والدنيا تتزيّن للعباد والشيطان يزيّن الشهوات في قلوب البشر حتى يقعوا فيها فتتزخرف لهم وتتزين في مخيلتهم بأبهى مما هي عليه في الواقع حتى إذا قارف أحدهم شهوة من تلك الشهوات التي تزينت له من بعيد لم يجدها بهذا الالتذاذ الذي تصوره في عقله.

ونتيجة هذا التزيين الشيطاني تأخذ الأشياء أكبر من حجمها الحقيقي, بشكل مثير للدهشة؛ فأبونا آدم كان في الجنة هو وزوجته حواء يستمتعون بنعيمها وثمارها وبساتينها ولم يحرم الله عليهم فيها إلا شجرة واحدة، لكن تزيين الشيطان لهذه الشجرة في أعينهم جعلهم يرون فيها أنها بالذات دونًا عن باقي أشجار الجنة التي ربما تفوقها جمالًا أن هذه الشجرة هي شجرة الخلد وشجرة النعيم وشجرة السعادة.

 وفي النهاية بعدما أكلوا منها لم يروا شيئًا من ذلك بل بالعكس تمامًا أُخرِجوا من الجنة بسبب هذه المعصية التي تزينت لهم في صورة أخرى مغايرة تمامًا، في أول واقعة من هذا النوع يتعرض لها البشر.

والنفس البشرية مجبولة على اشتهاء متع الدنيا والميل إلى زينتها، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران: 14].

فالحق تبارك وتعالى عما زُيِّن للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وغيرها من متاع الدنيا.

ولذا قال الله تعالى في الآية التالية مباشرةً: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 15]، كي لا يغتر العباد بزينة الدنيا التي يرونها بأعيُنهم وينسون زينة الآخرة التي تنتظرهم، تأثرًا بطبيعتهم البشرية التي تؤثر الشهوة العاجلة، و(مَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) ]التوبة:38[.

لكن هذا المتاع القليل عندما يتزين في نظر الخلق، ويستأثر بقلوبهم يصبح كل شيء بالنسبة لأهل الدنيا، وهذا هو الاختبار الحق؛ فطريق النار والمعاصي مزين بالشهوات، بينما طريق الجنة محفوف بالمشاق والمكاره.

فعن أبي هريرة tأن النبي ﷺ قال: (لما خلقَ اللهُ الجنةَ قال لجبريلَ: اذهبْ فانظرْ إليها، فذهبَ فنظرَ إليها ثم جاء فقال: أيْ ربِّ وعزتِك لا يسمعُ بها أحدٌ، إلا دخلَها، ثم حفَّها بالمكارِهِ، ثم قال: يا جبريلُ اذهبْ فانظرْ إليها، فذهبَ فنظرَ إليها، ثم جاء فقال: أيْ ربِّ وعزتِك لقد خشيتُ أن لا يدخلَها أحدٌ , قال: فلما خلقَ اللهُ النارَ قال: يا جبريلُ اذهبْ فانظرْ إليها، فذهبَ فنظرَ إليها، ثم جاء فقال: أيْ ربِّ وعزتِك لا يسمعُ بها أحدٌ فيدخلُها، فحفَّها بالشهواتِ ثم قال: يا جبريلُ اذهبْ فانظرْ إليها، فذهبَ فنظرَ إليها، ثم جاء فقال: أيْ ربِّ وعزتِك لقد خشيتُ أن لا يبقَى أحدٌ إلا دخلَها) رواه أحمد وأبو داود وقال الالباني: حسن صحيح.

ويُروى عن عُمَرِ بن الخَطَّاب أنه سُئل: أيُّمَا أفضَل؟ رَجُلٌ لَم تَخطُر لَهُ الشَّهَوَات ولَم تَمُر بِبَالِه أو رَجُلٌ نَازَعَتهُ إليهَا نَفسهُ فَتَرَكَها للهِ؟ فكتَب لهم: إنَّ الَّذِى تَشتَهِي نَفسهُ المَعاصِي ويَترُكهَا لله مِنَ الَّذِينَ امتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُم لِلتَّقوَى لَهُم مَّغفِرَةٌ وأجرٌ عَظِيمٌ (الفوائد).