الإسلام وأثره على الحياة الدنيا والآخرة

الإسلام وأثره على الحياة الدنيا والآخرة

كل الأديان الوضعية والمحرفة تمتلئ بالتناقضات المدمرة لحياة معتنقيها وأخراهم باستثناء الدين الإسلامي، فهو ليس فيه شيء من هذا، لأن الله تعهد بحفظ كتابه من التحريف والتبديل والضياع الذي وقع للكتب السابقة كالإنجيل والتوراة.

وكل المذاهب والديانات الأرضية والملل المحرفة تحمل بداخلها أفكار ينقض بعضها بعضًا باعتراف أهلها، لأنها ببساطة منتجات بشرية في النهاية، تحمل سمات القصور البشري المعهود.

ولذلك قال الملك سبحانه وتعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)]النساء:82[ أي أن أي كتاب من عند غير الله لن تجد فيه هذا التناسق الفكري الموجود في القرآن، بل ستجده يمتلئ بالاختلافات.

قال البغوي في معالم التنزيل: قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن (يعني: أفلا يتفكرون في القرآن، والتدبر هو النظر في آخر الأمر، ودبر كل شيء آخره (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (أي تفاوتا وتناقضا كثيرا، قاله ابن عباس.. أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا - بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر - أنه كلام الله تعالى لأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف.

فالدين الإسلامي يمنح من يعتنقه طمأنينة القلب، فالمنهج معصوم ومحفوظ بحفظ الله، والشريعة مفصلة من عند الخالق نفسه سبحانه وتعالى، الخبير بما يصلح خلقه ويفسدهم، وما يضرهم وينفعهم، لذا تجد في أحكام الدين كل الخير للفرد والمجتمع.

وللأسف قد يظن الكثيرون ممن حُرموا من نعمة الالتزام الديني أن الإسلام عبارة فقط عن أوامر ونواهي ومحرمات وأنه بمجرد ما إن يدخل في طريق الالتزام سيقال له هذا حرام وهذا مكروه وهذا كفر وهذه بدعة وأنه بذلك يحرم نفسه من السعادة الدنيوية.

وهذه النظرة السوداوية الخاطئة تصد الكثيرين عن التدين نتيجة الجهل بحقيقته وقيمته وسيطرة التفكير المادي عليهم وقصور نظرتهم إلى الحياة.

فالله سبحانه وتعالى هو الذي يوزع السعادة بين البشر وهو سبحانه وتعالى يهب المقربين منه سعادةً ونعيمًا ولذةً يجدونها بسبب القرب من الله لا يعدلها لذة من لذات الدنيا، ويحرم العصاة من تلك اللذة، قال تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى) ]النجم:43[.

كان أحد السلف الصالح يقول: إننا في سعادة لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف (مفتاح دار السعادة)، فالمؤمن يجد من النعيم بالقرب من الله أكثر مما يجده الملوك والأثرياء، الذين لو أدركوا حجم هذا النعيم لحاولوا الحصول عليه بكل طريقة ممكنة.

فالمؤمنون يجدون لذتهم وسعادتهم في الطاعة ويستوحشون من المعاصي والشهوات المحرمة ويكرهون كل ما يغضب الله، إذ أن نفوسهم ألفت الحياة النظيفة وتطبعت بالخير، قال تعالى: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون) ]الحجرات:7 [.

وقد وصف الله المنافقين في نظرتهم للشريعة بأن (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) ]البقرة: 17[، هذا تشبيه للمنافقين في نظرتهم للدين بأن مثلهم مثل شخص يعيش في ظلمة فطلب شعلة من النار ليستضيء بها فلما جاءته لم يعد يرى ضوئها كأنها أصبحت نارًا بلا نور.

فكذلك هو حال من لا يرى نور الوحي ونور الهداية والقرآن، ولا يرى الدين إلا عبارة عن قائمة محرمات فهذا شرك وهذا كفر وهذا حرام..إلخ دون أن يبصر أثر هذا النور العظيم.

يقول ابن القيم في "إعلام الموقعين عن رب العالمين" أن الله "أخبر عن حال المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي أنهم بمنزلة من استوقد نارا لتضيء له وينتفع بها وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاءوا به وانتفعوا به وخالطوا المسلمين ولكن لما لم يكن لصحبتهم مادة من قلوبهم من نور الإسلام طغى عنهم وذهب الله بنورهم ولم يقل (نارهم) فإن النار فيها الإضاءة والإحراق فذهب الله بما فيها من الإضاءة وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) فهذا حال من أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر.

قال السعدي في تفسيره: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا، أي: كان في ظلمة عظيمة، وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره.. فلما أضاءت النار ما حوله، ونظر المحل الذي هو فيه، وما فيه من المخاوف، وأمنها، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك، إذ ذهب الله بنوره، فذهب عنه النور، وذهب معه السرور، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة، فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة.