كيف تعيش في الدنيا وهمك الآخرة

كيف تعيش في الدنيا وهمك الآخرة

عش سعيدا واجمع همك

 إذا أردت أن تعيش سعيدا فلا تشتت نفسك بكثرة الأعباء والملهيات والمشتتات فتتسرب نفسك هنا وهناك وركز جهدك على أعلى الأهداف ولا هدف أعلى من أن تكون الآخرة هي الهم والشغل الشاغل لك ووقتها سوف تحل جميع مشاكلك وأعبائك لأن الله سبحانه وتعالى هو من سيتكفل بها فعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ رواه الترمذي وفي رواية من حديث زَيْد بْن ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ.
فالحرص والانكباب على الدنيا لا يزيد صاحبه نفعا؛ لأن رزقه قد قدر وكتب، فلا يأتيه إلا هذا المقدار الذي كتب له مهما بذل من جهد.
ويتضح هذا بحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ رواه ابن ماجه.
ومعنى (وأجملوا في الطلب) أي اطلبوا الرزق طلبا رفيقًا، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم المراد بذلك، بأن يأخذ الإنسان ما حل، ويدع ما حرم.

كيف تجعل الآخرة همك؟

تستطيع أن تجعل الآخرة همك بعدد من الوسائل منها:
  1. ـ تفعيل عبادة التفكر والتذكر فتقارن دائما وتتأمل بين حجم وحقيقة واهمية الآخرة بالنسبة للدنيا.
  2. ـ الإكثار من الدعاء الذي يذكر بالآخرة كدعاء النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو، اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ومن درك الشقاء ومن سوء القضاء ومن شماتة الأعداء، اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر) رواه مسلم
  3. ـ زيارة القبور للاعتبار فإن القبر أول منازل الآخرة.
  4. ـ المحاسبة اليومية وعرض كل عمل قمت به على ميزان الآخرة.
  5. ـ قراءة القرآن الكريم فلا تخلو سورة من حديث عن الآخرة يخلع القلوب خلعا.
(قد جعل الله سبحانه وتعالى الموازنة بين الدارين مائلة إلى الآخرة فقال تعالى:(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) سورة القصص77 فقدم الآخرة وجعلها الهم الأكبر، ولها العمل الأكثر، وجعل الدنيا تالية وقال: وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا فيستعمل العبد ما وهبه الله من المال والنعم في طاعة ربه والتزود للآخرة؛ لأن صاحب هذه الدار لا يدعنا فيها، ولا بد أن يرحلنا عنها إلى داره الأخرى، وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا مما أباح الله لك فيها من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، فإن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً فآت كل ذي حق حقه، إنه الاعتدال في المنهج الإسلامي، ولكن يميل إلى الأهم، ويقدم الأهم على المهم، فالعمل في الدنيا مهم، ولكن للآخرة أهم، فما الذي يقلقنا قبل نومنا؟ ما الذي يفرحنا ويحزننا؟ ما الذي يغضبنا؟ ما الذي فيه أمنياتنا؟ ما الذي أحياناً نراه في أحلامنا؟ الهم الأكثر منصرف إلى ماذا؟
وهكذا فإن المحاسبة هي التي تقود إلى تصحيح المسار في العمل، كان النبي صلى الله عليه وسلم يهمه إقامة الدين، ونشر الإسلام، كان دائم التفكير والقلق من أجل هؤلاء المعرضين:(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)سورة الكهف6، وقال تعالى)فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (فاطر: 8)، معنى ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام كان دائم الهم حزيناً عندما ينظر إلى إعراض هؤلاء، حتى واساه ربه ولما خرج من مكة إلى الطائف يدعو أهلها وكذبوه أهل المدينتين وأغروا به السفهاء، قالت عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام: "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟" ومعلوم ما نال المسلمين في أحد من القتل والجراح والفتنة التي تكون بغلبة الكافرين، قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب) هذا اسم موضع خارج مكة، (فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ ثم قال: يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين) يعني: الجبلان بينهما مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)، لم يكن همه عليه الصلاة والسلام المال، لم يكن همه الأثاث والرياش، لم يكن همه في المراكب والقصور، إنما كان همه في الدين، والدعوة إليه، وبقي هم الدين معه إلى آخر حياته، فقال علي رضي الله عنه: "كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم) ، اتقوا الله في ملك اليمين مروهم بالصلاة، وأحسنوا إليهم، قالت أم سلمة: "حتى جعل نبي الله صلى الله عليه وسلم يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه" الصلاة الصلاة حتى صارت في الصدر واللسان لا يفيض بها فليست واضحة في اللسان في آخر اللحظات عند خروج روحه، وكانت قبل ذلك مسموعة، "حتى جعل يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه" (متفق عليه).
وكان صلى الله عليه وسلم دائم الفكر في أمور الآخرة، فقال أبو بكر رضي الله عنه: "يا رسول الله قد شبت"، قال: (شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت) (رواه الترمذي وصححه الألباني)، ما الذي شيبه في هذه السور؟ ذكرها لأهوال القيامة، وأمر الآخرة، والجنة والنار، والنوازل التي كانت في الأمم السابقة، وهو عليه الصلاة والسلام يقول لنا: (مالي وللدنيا إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) (رواه الترمذي وابن ماجه واحمد)، كان الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الآخرة: ما الذي ينجيهم فيها؟ ما هو أحب الأعمال إلى الله؟ ما هو العمل الذي يحبه الله؟ ما هو العمل الذي يقرب إلى الله؟ يقول أحدهم: "يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ قال: (ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما أيدي الناس يحبوك) (رواه ابن ماجة وصححه الألباني)"، (ازهد في الدنيا) يعني: لا تبتغ فيها شيئاً لا ينفع في الآخرة، فإذا كان الورع ترك ما يضر في الآخرة؛ فإن الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة، وهذه رتبة أعلى، فكل زاهد ورع، وليس كل ورع زاهد، الورِع الذي يترك الحرام والشبهة، لكن الزاهد الذي يترك ما لا منفعة فيه في الآخرة وقد يكون مباحاً واضح الإباحة، لكنه يريد المرتبة العالية، تتوق نفسه إلى المراتب العليا في الجنة، تتوق نفسه إلى ما يكون به جوازه على الصراط أسرع ما يكون كلمح البصر، هناك أناس يعبرون الصراط مثل لمح البصر يجاوزون جهنم العميقة السحيقة بأهوالها وحرها ولهيبها يجاوزونها كلمح البصر، من هؤلاء الذين يزهدون في الدنيا، يعني: يتركون كل ما لا ينفع في الآخرة ويشتغلون بما يكون فيه نفع في الآخرة، شغلهم ما هو الذي ينفع في الآخرة؟ هذا شغلهم، أي شيء آخر يتركونه.
ومما ينفعك في الآخرة أن تنفق على أهلك، وأولادك، ووالديك، ومما ينفعك في الآخرة أن تهادي إخوانك المسلمين فهنالك أمور من متاع الدنيا تنفع في الآخرة كإعفافك لنفسك بالزواج، وما ينفع في الآخرة كثير.) من خطبة تقديم الآخرة للشيخ صالح المنجد