درجات الإخلاص لله

درجات الإخلاص لله

درجات الإخلاص لله

الإخلاص هو روح العبادة، ومفتاح قبولها عند الله، يقول ابن الجوزي رحمه الله: "الإخلاص مِسْك مَصون في مَسكِ القلب –أي: أنه محفوظ في هذا الوعاء الذي هو القلب– ينُبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، إذا لم تخلص فلا تتعب " وقد شبه العمل بغير إخلاص، كمن يقيم شعائر الحج ويبذل الجهد ولا يقف بعرفة.. هل يكون ذلك حاجا؟ بالقطع لا.

فالإخلاص هو عمود العمل، وهو سنامه؛ لأن العامل بدون إخلاص كادح متعب نفسه، لا أجر له، والله يقول: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23] ، والنبيﷺ يقول في الحديث: (إنما الأعمال بالنيات...) [رواه البخاري] [خالد السبت، موسوعة فقه القلوب، الإخلاص]

وللمخلصين درجات، يذكرهم ابن القيم، وتتراوح ما بين تنقية القصد لوجه الله وحده، و

إخلاص العمل لله واستشعار الفقر إليه عمن سواه

الْإِخْلَاصُ: تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ، فالمؤمن يخلص نفسه من إرادات النفس وشهواتهها، ومنها طلب مديح الناس وشكرهم، والهرب من مذمتهم، فعلامة الإخلاص: أن يستوي العمل في السرِّ والعلانية, في الباطن والظاهر, العلامة الثانية: أن يستوي المدح والذم عندك: كمن قال:

فليتك تحلو والحياة مريرة  & وليتك ترضى والأنام غِضابُ

فالإخلاص ألا تطلبَ شهوداً على عملك إلا الله, وألا تطلب الجزاء على عملك إلا الله, لست محتاجاً لمن يشهد لك عملك. [موسوعة النابلسي]

وفي ذلك يقول ابن القيم أن العبد يتعرض لثلاث آفات في طاعته: ملاحظته للناس، طلب العوض عن هذا العمل، ورضاه بهذا العمل وسكونه إليه.

يَعْرِضُ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِهِ ثَلَاثُ آفَاتٍ: رُؤْيَتُهُ وَمُلَاحَظَتُهُ، وَطَلَبُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ، وَرِضَاهُ بِهِ وَسُكُونُهُ إِلَيْهِ.

ويفيد العبد للتخلص من تلك الآفات أن يشاهد منة الله عليه، وفضله وتوفيقه، وأن عمله لم يكن ليحدث لولا توفيق الله ومشيئته، واستشعاره بأنه ميت لا يفعل شيئا إلا بربه، فَإِنَّ النَّفْسَ جَاهِلَةٌ ظَالِمَةٌ، طَبْعُهَا الْكَسَلُ، وَإِيثَارُ الشَّهَوَاتِ وَالْبَطَالَةِ. وَهِيَ مَنْبَعُ كُلِّ شَرٍّ، وَمَأْوَى كُلِّ سُوءٍ..

فَالْخَيْرُ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللَّهِ وَبِهِ. لَا مِنَ الْعَبْدِ، وَلَا بِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النور: 21] ، وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43] ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7]

ولهذا فمعرفة الرب ومعرفة النفس تخلص العبد من إعجابه بطاعته.

واستشعارك لعبوديتك يجعلك تتخلص من المطالبة بالعوض والأجرة عن عملك.

ومطالعتك لعيوبك سبب في عدم الركون والرضا بما عملت، والمجاهدة لفعل مزيد من الطاعات، مع استشعار التقصير في حق الله تعالى صاحبب المنن ومدبر الأمر.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ حَظًّا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ. فَجَعَلَ هَذَا الْقَدْرَ الْيَسِيرَ النَّزْرِ حَظًّا وَنَصِيبًا لِلشَّيْطَانِ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ.

وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفُ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةَ أَرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَيَهُزُّهَا. وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: يَا مَأْوَى كُلِّ سُوءٍ، وَهَلْ رَضِيتُكَ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؟

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: آفَةُ الْعَبْدِ رِضَاهُ عَنْ نَفْسِهِ. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ بِاسْتِحْسَانِ شَيْءٍ مِنْهَا فَقَدْ أَهْلَكَهَا. وَمَنْ لَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ عَلَى دَوَامِ الْأَوْقَاتِ فَهُوَ مَغْرُورٌ.

المرتبة الثانية: بذل الجهد مع مخافة عدم القبول

فإذا كان العبد قد أتم عمله الصالح المخلص لربه، واستشعر عجزه إليه، ولم يركن لتلك الطاعات، فإنه ينتقل لمرحلة بذل الجهد في الطاعات مع الخجل من الْعَمَلِ وشدة حيائه من الله إذ لم ير العمل صالحا،  قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] .

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، وَيُصَلِّي، وَيَتَصَدَّقُ، وَيَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ» .

ولهذا قيل بأن الْمُؤْمِنُ: جَمَعَ إِحْسَانًا فِي مَخَافَةٍ وَسُوءَ ظَنٍّ بِنَفْسِهِ. وَالْمَغْرُورُ: حَسَنُ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ مَعَ إِسَاءَتِهِ.

والعبد يحتمي في طاعته بنور التوفيق الذي ينور الله به بصيرته، وتشتمل تلك الدرجة من الإخلاص في الطاعة على العمل، الاجتهاد فيه، وخجل وحياء من الله، ووقايته من الناس ومن غرور النفس.

والإنسان إذا نظرَ إلى عمله , واستعظمَ عمله , وعرفَ حجمَ عمله , وباهى بعمله , وألقى الأضواء على عمله , ومنَّ الناس بعمله , وقال : أنا فعلتُ كذا وكذا , رؤية العملِ ضخماً نوعٌ من ضعفِ الإخلاص .

 والنبي عليه الصلاة والسلام قالَ في بعض أدعيته : اللهم أنا بك وإليك، أنا قائمٌ بك، كلُّ ما عندي من فضلك، وإليك قصدي كله إليك.

أحدَ التابعين رِضوان الله عليهم قالَ: التقيتُ بأربعين صحابياً, ما منهم واحدٌ إلا وهو يظنُّ نفسه منافقاً, هؤلاءِ أصحاب رسول الله, الذين رضيَ الله عنهم, والذين كانوا مع رسولِ الله في السرّاءِ والضرّاء، في المنشطِ والمكره، الذين ذللوا الغالي والرخيص, والنفسَ والنفيس، لاستشعارهم بعِظمِ حق الله عليهم, فإذا رضي الإنسان عن نفسه, وأعجبته نفسه, وأثنى على نفسه, ورأى نفسه إنساناً متفوقاً, هذا مما يقدحُ في إخلاصه . [الإخلاص، موسوعة النابلسي]

الدرجة الثالثة: ربط العمل الصالح بمشيئة الله وحده

وفي هذه المنزلة يوقن العبد بأنه ليس هناك غَيْرُ مَحْضِ الْمَشِيئَةِ الإلهية، وَتَفَرُّدِ الرَّبِّ وَحْدَهُ بِالْأَفْعَالِ، وَمَصْدَرِهَا عَنْ إِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. فَيَكُونُ قَائِمًا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِعْلًا وَتَرْكًا، سَائِرًا بِسَيْرِهِ، وَبِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، إِيمَانًا وَشُهُودًا وَحَقِيقَةً. فَهُوَ نَاظِرٌ إِلَى الْحَقِيقَةِ. قَائِمٌ بِالشَّرِيعَةِ.

وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ هُمَا عُبُودِيَّةُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28 - 29] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 29 - 30] .

في هذه المرتبة َتُخَلِّصُ نَفْسَكَ مِنْ عُبُودِيَّةِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَتَكُونُ بِقَلْبِكَ مَعَ الْقَادِرِ الْحَقِّ وَحْدَهُ. وبَذْلُ الْجُهْدِ، وَتَحْكِيمُ الْعِلْمِ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَالتَّخَلُّصُ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِهِ. [ابن القيم-مدارج السالكين، سابق، بتصرف]

والحذر الحذر من الشرك الخفي (الرياء) القادح في الإخلاص وهو موضوعنا التالي...



كلمات دليلية: