بين لذة الدنيا والآخرة

بين لذة الدنيا والآخرة

بماذا تختلف اللذة عن السعادة؟

اللذة حسية، طابعها حسي تحتاج إلى مادة، اللذة تحتاج إلى طعام تأكله، تحتاج إلى منظر جميل تمتع عينيك به، تحتاج إلى مأوى واسع دافئ، تحتاج إلى مركبة تركبها، تحتاج إلى زوجة تتزوجها، تحتاج إلى مال تنفقه، فاللذائذ طبيعتها حسية، لا تأتي من الداخل، بل تأتي من الخارج، تحتاج إلى بيت، إلى مال، إلى أثاث في البيت، إلى طعام، إلى شراب، إلى زوجة، إلى شراب.
واللذة إمدادُها منقطع ولحكمة بالغة أرادها الله لم يشأ ربنا جل جلاله أن تمدك اللذة بإمداد مستمر، بل إمداد متناقص، فكل لذة لها فورة، وبعدئذٍ تصبح شيئاً مألوفاً تفقد بريقها، لذلك هؤلاء الذين نجحوا في الحياة بعد أن نجحوا شعروا بالفراغ، لأن في النفس فراغاً لا يملؤه المال، ولا المرأة، ولا المنصب، ولا مباهج الحياة.
 فاللذائذ لا يمكن أن تمدك بمتعة مستمرة، بل بمتعة متناقصة، هذا إذا كانت في الحلال، فإذا كانت في الحرام فبعد المتعة كآبة، وشعور بالذنب، واختلال توازن، واحتقار للذات.
أما السعادة فهي تنبع من الداخل فلستَ بحاجة إلى شيء، بحاجة إلى أن تستقيم على أمر الله، بحاجة أن تتصل بالله، بحاجة أن تذكر الله، بحاجة أن تصلي، بحاجة أن تقوم الليل، بحاجة أن تقرأ القرآن الكريم، بحاجة أن تغض بصرك عن محارم الله، بحاجة أن تضبط لسانك، لا تحتاج إلى مال، ولا إلى صحة، ولا إلى وقت، تحتاج إلى إنابة.
السعادة تنبع من الداخل، وهي متاحة لنا جميعا وهي متنامية تعقبها راحة نفسية (نقلا عن موسوعة النابلسي بتصرف)
 

لذة الدنيا والآخرة

إذا كانت السعادة واحدة في الدنيا والآخرة ناتجة من الإيمان العميق بالله عز وجل والاتصال به فإن هناك فارقا شاسعا بين لذة الدنيا ولذة الآخرة فلذة الدنيا منقوصة دائما فيها شئ من الكدر بحيث لا تكتمل ابدا ـ والحديث هنا عن اللذة الحلال ـ فإما هناك قلة في المال أو في الصحة أو في الوقت أو غياب أحد الأحبة أو فقدانه أو مرضه أو غياب أمن أو..او.. من منغصات الحياة دائما هناك كدر يذكرنا أننا لازلنا في الدنيا بعد..وكل إنسان لديه كدر من نوع خاص إما واضح ظاهر للعيان إما يختبئ بعيدا في دهاليز النفس الغائرة..أما لذة الآخرة فهي اللذة الكاملة التي لا يشوبها شائبة صغيرة فالصحة كاملة والشباب موجود والوقت متاح والغل غائب والغيرة معدومة والأهل ملحق أدناهم بأعلاهم حتى من كان منهم من أصحاب الجحيم فإن الله سبحانه وتعالى ينسهم بقدرته هذا الألم والسكن العاطفي والحسي موجود..لذة حسية ولذة معنوية بصورة كاملة بل بصورة متزايدة بطريقة لا يعلمها الا الله ولا تقاس بأي شكل ولا تخطر على قلب بشر.

استمتع بلذة الحياة الدنيا ونل لذة آخرتها

لا يوجد تعرض بين السعي للحصول على لذة الدنيا والسعي لنيل لذة الآخرة فإن الإنسان قد خلقه الله مزيجا من الجسد والروح لذلك أباح له الله سبحانه وتعالى الكثير من الطيبات وسمح له بالاستمتاع والتلذذ بها بها واستنكر على هؤلاء الذين يحرمونها (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ]الأعراف: 32[.
فالإنسان ذلك الكائن الحسي الروحي ولابد من إشباعهما دون إسراف لأن التطرف في قمع الشهوات الجبلية قد يؤدي لانتكاسة رهيبة وتطرف مضاد في الوقوع في الفواحش ولعل فضائح من اختاروا الرهبانية والتنسك في ديانات متعددة سماوية وأرضية شاهدا على ذلك (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) ]النساء 27-18[، لذلك لما (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.) متفق عليه.