المحبة والرجاء والخوف

المحبة والرجاء والخوف


1) المحبة

مفهوم حب الله

حب الله: هو أنس القلب وميله لله، وإجابته في كل ما يريد، وأن يستولي ذكر الله تعالى على القلب.

من عرف الله أحبه.
حقيقة محبة الله

محبة الله هي محبة العبادة والتذلل والتعظيم، وهي أن يكون بقلب المحب من إجلال الله المحبوب وتعظيمه ما يقتضي امتثال أمره واجتناب نهيه، وهذه المحبة أصل الإيمان والتوحيد، ويترتب عليها من الفضائل ما لا يمكن حصره، ومن محبة الله محبة ما يحبه الله من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأعمال والأقوال، ونحو ذلك مما يُحبه الله.

كما أن حب الله يجب أن يكون خالصًا لله وحده، ولا يناقض ذلك المحبة الطبيعية كمحبة الولد لوالده، والوالد لولده، والتلميذ لمعلمه وكمحبة الطعام والشراب والنكاح واللباس والأصدقاء وغيرها.

أما المحبة المحرمة فهي كالشرك في محبة الله مثل محبة المشركين لأصنامهم وأوليائهم أو تقديم محبوبات النفس على ما يحبه الله، أو محبة ما لا يحبه الله من الأزمنة والأماكن والأشخاص والأعمال والأقوال، وهي دركات، قال تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [البقرة: 165]

من فضائل محبة الله:
ما عُبد الله بمثل الحب والخوف والرجاء.

1- أنها أصل التوحيد، وروح التوحيد إخلاص المحبة لله وحده، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكتمل محبةُ العبد لربه وتسبق جميعَ المحابِّ وتَغْلبها ويكون لها الحكم عليها؛ بحيث تكون محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه.

الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب ليذهب وهج الدنيا.

2- تسلية المحب عند المصائب؛ فالمحب يجد من لذة المحبة ما ينسيه المصائب ويهون عليه الشدائد.

ليس أشقى على وجه البسيطة ممن يحرم الطمأنينة والأنس بالله جل وعز.

3- تمام النعيم وغاية السرور: وذلك لا يحصلُ إلا بمحبة الله جل وعز، فلا يغني القلب ولا يَسُدُّ خلَّتَه ولا يشبعُ جوعته إلا محبته والإقبال عليه جل وعز، ولو حصل له كل ما يتلذذ به لم يأنس ولم يطمئن إلا بمحبة الله جل وعز؛ فمحبته نعيم للنفوس. وليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذُّ ولا أطيبُ ولا أسرُّ ولا أنعمُ من محبته والأنس به والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتمُّ من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة « ثلاث من كن فيه وجد بِهِن حلاوة الإيمان : أن يكون اللَّه ورسوله أحب إِليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحِبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللَّه منه كما يكره أن يقذف في النَّار » (رواه البخاري ومسلم والنسائي).

الأسباب الجالبة لمحبة الله

ربنا جل وعز يحب من يحبه ومن يتقرب إليه، وأول جالب لمحبة الله تعالى هو أن يحب العبد ربه حبًّا لا يحبه لأحد من الخلق، وتفصيل الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى كالآتي:

1- قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به ، فمن انشَغَل وعَمِل بكتاب الله عَمر قلبه بمحبة الله.

2- التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض “ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ” (حديث قدسي ،رواه البخاري).

3- دوامُ ذكرِ الله على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال.

{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54] .

4- تقديم ما يُحبه الله على ما تُحبه النفس من رَغبات وشَهوات.

5- مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته، ومعرفتها.

6- مشاهدة برّه وإحسانه وآلائه ونعمه الظاهرة والباطنة.

7- انكسار القلب بكلِّيته بين يدي الله جل وعز.

8- الخلوة بالله في الثُلث الأخير من الليل عندما ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، فيخلو بالله يُناجيه ويَتلو كتابه ويتأدب بين يديه قائمًا يُصلي ثم يختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

9- مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايبُ الثمر، وعدم التكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وتبين أن فيه مزيدًا للحال، ومنفعة للغير.

10- مباعدةُ كل سببٍ يحول بين القلب وبين الله جل وعز.

ثمرات محبة الله

من ثمرات محبة الله للعبد:

من أحبه الله هداه وقربه: قال النبي ﷺ: “يقول الله جل وعز: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة” (صحيح البخاري)؛ فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى، وكلما أحب الله زاد هداه، وكلما اهتدى زادت تقواه.

من أحبه الله كتب له القبول في الأرض: المراد القبول لهذا العبد الذي يحبه الرب والميل إليه والرضا عنه والثناء عليه، ويحبه كل شيء إلا الكافر لأنه رفض حب الله جل وعز، فكيف له بحب أحباب الله؟! قال رسول الله ﷺ: “إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبّه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض” (رواه مسلم)؛ وهكذا فإذا أحب الله عبدًا أحاطه برعايته وعنايته، وجعل كل شيء في طاعته، ويسر له كل صعب، وقرب إليه كل بعيد، وهون عليه أمر الدنيا؛ فلا يحس بتعب ولا نصب؛ قال جل وعز{ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا } [مريم: 96]

الإيمان الصادق حياة للأرواح وميدان للأفراح، كما أن الكفر بالله موت لها قبل موتها، وميدان للأحزان.

من أحبه الله جعله في معيته: إذا أحب الله العبد كان معه يرعاه ويحيطه بعنايته، ولا يسلط عليه أحدًا يؤذيه أو يضره، وفي الحديث القدسي، قال رسول الله ﷺ: “إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته” (رواه البخاري).

من أحبه الله استجاب دعاءه: من دلائل حب الله لعباده المؤمنين أن يستجيب لدعائهم، وينعم عليهم بنعمه بمجرد أن يرفعوا أيديهم إلى السماء ويقولوا “يا رب”، يقول تعالى{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة: 186]، وعن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: “إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين” (رواه الترمذي).

إذا أحب الله عبدًا جعل الملائكة تستغفر له، ويطلبون له من الله الرحمة، يقول جل وعز{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } [غافر: 7]، ويقول تعالى{ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الشورى: 5]

إذا أحب الله عبدًا قبضه على عمل صالح: قال رسول الله ﷺ: “إذا أراد الله جل وعز بعبد خيرًا عسله، قيل: وما عسله؟! قال: يفتح الله جل وعز له عملًا صالحًا قبل موته ثم يقبضه عليه” (رواه أحمد).

إذا أحب الله عبدًا أمَّنه عند الموت: إذا أحب الله العبد أمَّنَه في الدنيا، ورزقه عند الموت أمنًا وثباتًا، فيرسل عليه ملائكته يقبضون روحه برفق، ويُثبتونه عند الموت، ويبشرونه بالجنة، قال تعالى{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } [فصلت: 30]

إذا أحب الله عبدًا خلده في الجنة: من أحبه الله كان في الآخرة في جنته، فكَرَمه تعالى على من يحب في الآخرة لم يخطر ولن يخطر على بال أحد؛ فالله جل وعز وعد أحبابه بجنة فيها ما تشتهيه الأنفس، كما في الحديث القدسي؛ قال ﷺ: “قال الله: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرءوا إن شئتم (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ) (رواه البخاري).

ما طابت الدنيا إلا بمحبته تعالى وطاعته، ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته.

من ثمرات محبة الله للعبد رؤية العبد لله تبارك وتعالى: يتجلى رب العزة تعالى على عباده الذين يحبهم بنوره؛ فلا يرون أحب من ذلك أبدًا، لما روي أن النبي ﷺ نظر إلى القمر ليلة ـ يعني البدر ـ فقال: “إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُّونَ في رُؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: (وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ ٣٩)” (صحيح البخاري).

أحكام وتنبيهات في المحبة:

1- حب الله للعبد لا يمنع عنه البلاء: قال رسول الله ﷺ: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط” (رواه الترمذي)، فيبتلي الله العبد بأنواع البلاء حتى يمحصه من الذنوب، ويفرغ قلبه من الشغل بالدنيا، قال تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } [محمد: 31]، وقال تعالى { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ١٥٥ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ١٥٦ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } [البقرة:155 - 157]

الحرية حرية القلب من الشرك ومن الشهوات والشبهات، والعبودية عبودية القلب وألا تكون لغير الله .

2- معصية العبد لربه تنقص المحبة وتزيل كمالها، فالمحبة كالإيمان لها أصل ولها كمال، فبحسب المعاصي ينقص الكمال، وإذا دخل المرء في مرحلة الشك والنفاق الأكبر ذهب الأصل وانخلع وانعدم؛ فالذي ليس في قلبه محبة لله جل وعز كافر مرتد ومنافق نفاق أكبر ليس له من الدين نصيب، أما العصاة فلا يمكن أن يقال إنهم لا يحملون محبة لله، بل يقال إن محبتهم لله ناقصة، وعلى هذا يعَاملون، قال ﷺ: “لولا أنكم تذنبون لخلق الله تبارك وتعالى قومًا يذنبون فيغفر لهم” (رواه أحمد).

3- محبة الله لا تنافي المحبة الطبيعية التي تميل إليها النفس كالطعام والشراب والنساء وغير ذلك قال ﷺ: “حبب إليَّ من الدنيا النساء والطيب” (رواه أحمد)؛ إذًا هناك أشياء في الدنيا محبتها ليست من الشرك؛ لأن النبي ﷺ أحبها، ولذلك يجوز للإنسان أن يحب أشياء من الدنيا ما دامت ليست محرمة.

قال ﷺ: “إن أحب الأعمال إلى الله جل وعلا الحب في الله والبغض في الله” (رواه أحمد).

4-من أحب أحدًا كما يحب الله فهو مشرك؛ يقول تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } [البقرة: 165]وفي الآية وعيد شديد لمن يُساوي محبة أحد بمحبة الله في العبادة والتعظيم، قال تعالى{ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } [التوبة: 24]، وفي الآية وعيد شديد لمن كانت هذه الأصناف الثمانية أحب إليه من الله، وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” (رواه ابن ماجه).

5-موالاة ومحبة المشركين دون المؤمنين تتعارض مع محبة الله: لشرك المشرك ودينه، فالحب في الله والبغض في الله أصل عظيم من أصول الإيمان، قال جل وعز{ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } [آل عمران: 28]؛ فنهى الله المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأكد على أن من يفعل ذلك فليس من ولاية الله في شيء؛ فموالاة الولي وموالاة عدوه متنافيتان{ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً }[آل عمران: 28]، ورخص الله تعالى في موالاتهم إذا خافوهم فلم يحسنوا معاشرتهم إلا بذلك؛ فحينئذ تجوز المعاشرة ظاهرًا والقلب مطمئن بالإيمان والكره للكافرين؛ كما قال جل وعز{ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } [النحل: 106].

ومضةُ حُب
علامة حب الله كثرة ذكره، والشوق إلى لقائه؛ فمن أحب شيئًا أكثر من ذكره وأحب لقاءه.

الربيع بن أنس

لما خُير نبينا ﷺ بين الحياة الدنيا ولقاء الله جل وعز؛ قال: “بل الرفيق الأعلى” (رواه أحمد)؛ فاختار ﷺ محبة الله جل وعز ومحبة لقائه وفضلها وقدَّمها على حب الدنيا بشهواتها ومتعها ولذاتها.


2) الرجاء

قال ﷺ: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا(رواه البخاري)
مفهوم رجاء الله

الرجاء هو: استشعار وجود الله وفضله ورحمته، والارتياح لمطالعة كرمه ومِنَنه، والثقة في ذلك، وهو حادٍ يحدو القلوب إلى الله وإلى جنته، قال جل وعز { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء: 110]

أنواع الرجاء

الرجاء أنواع ثلاثة، نوعان محمودان، ونوع غرور مذموم:

1-رجاء من عمل بطاعة الله على نور من الله يرجوا ثواب الله.

2-رجاء من أذنب ذنوبًا ثم تاب منها، يرجو مغفرة الله ومحو الذنوب والتجاوز عنها وسترها.

3-رجاء من يتمادى في التفريط والمعاصي والسيئات، ويرجو رحمة ربه والمغفرة بلا عمل!! وهو غرور وتمني ورجاء كاذب لا يعتبر رجاء محمودًا أبدًا، ورجاء المؤمنين هو الرجاء المصحوب بالعمل؛ قال جل وعز { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [البقرة: 218]

مراتب الرجاء
من رجا شيئًا طلبه.

للرجاء مراتب ودرجات تسمو وترقى من فرد لآخر؛ وهذه المراتب هي:

1-رجاء يحث على الاجتهاد في العبادة، ويولد لدى صاحبه اللذة عند القيام بالعبادة حتى وإن كانت شاقة وصعبة؛ مما يجنبه المعاصي والمنكرات.

2-رجاء المجتهدين في ترك مألوفات نفوسهم وعاداتها وما يُصرفهم عن مطلوب ربهم وخَالقهم، ويُوحد قلوبهم له سبحانه.

3-رجاء أرباب القلوب: وهو رجاء لقاء الخالق الباعث مع الاشتياق لله وتعلق القلب به وحده، وهذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال تعالى{وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف: 110]، وقال تعالى{ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [العنكبوت: 5]

ارتباطه بمعرفة الله وأسمائه وصفاته:

الراجي إنسان مواظب على الطاعات، قائم بمقتضيات الإيمان، يرجو من الله جل وعز أن لا يزيغه وأن يقبل عمله ولا يردّه عليه، وأن يضاعف أجره ويثيبه، فهو باذل للأسباب التي يستطيعها، يرجو رحمة ربه؛ لمعرفته بالله وأسمائه وصفاته، فهو يعرف بأنه يتعامل مع الرحيم الودود الشكور الكريم الوهاب الغفور اللطيف، فهو مشفق في هذه الدنيا يرجو الأمان إذا ورد على ربه جل وعز.

ثمرات الرجاء

1-ينمي لدى صاحبه المجاهدة في القيام بالأعمال والطاعات.

2-يعود صاحبه المواظبة على الطاعات؛ مهما تغيرت أو ضاقت الأحوال.

3-يعود صاحبه المداومة على الإقبال على الله، ومناجاته، والتلطف في سؤاله والإلحاح عليه.

يكون الراجي دائمًا راغبًا راهبًا مؤملًا لفضل ربه، حسن الظن به جل وعلا.

4-يظهر عبودية وفاقة وحاجة العبد للرب عز وجل، وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه تعالى طرفة عين.

5-العلم واليقين بوجود الله وكرمه، فهو سبحانه أجود من سُئِل وأوسع من أعطى، وهو يحب من عباده أن يسألوه ويرجوه ويلحوا عليه.

المؤمن أحسن الظن بربه؛ فأحسن العمل، والفاجر أساء الظن بربه؛ فأساء العمل.

6-الرجاء يطرح العبد على عتبة محبة الله تعالى ويوصله إلى كمالها ، فكلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه؛ ازداد حبًا لربه وشكرًا له ورضا، وهذا من مقتضيات وأركان العبودية.

من حُسن الظن بالله أن تعلم أن الله لا يضيع من لجأ إليــــــه.

7-دافع للعبد إلى مقام الشكر؛ لأنه يحفزه للوصول إلى مقام الشكر للنعم؛ وهو خلاصة العبودية.

8-التعرف على أسماء الله وصفاته، فهو الرحيم الكريم الجواد المجيب الجَميل الغَني سُبحانه ما أعظمه! .

9-سبب لحصول العبد على ما يرجوه، وحصول المطلوب يساعد على مزيد من التشجّع وسؤال المزيد والإقبال على الله، وهكذا لا يزال العبد في ازدياد في الإيمان والقرب من الرحمن.

10-فرح المؤمنون يوم القيامة بحصول ما يرجونه من نيل رضا الرب والجنة ورؤيته سبحانه يكون بقدر رجاء العباد وخوفهم منه سبحانه في الدنيا.

أحكام وتنبيهات حول الرجاء
لو جيء بميزان فوزن خوف المؤمن ورجاؤه كانا سواء.

1-الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف عند المؤمن، ولهذا حسن وقوع الرجاء في مواضع يحسن فيها وقوع الخوف{ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } [نوح: 13]، وقال جل وعز{ قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ } [الجاثية: 14]؛ أي لا يخافون وقائع الله بهم كما وقعت في الأمم الذين من قبلهم من التدمير والإهلاك.

ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي؛ ربي خير لي من والدي.

الإمام سفيان الثوري

2-الرجاء دواء نحتاج له عندما:

يغلب اليأس على النفوس فتترك العبادة.

يغلب على الفرد الخوف حتى يضرّ بنفسه وأهله، فيتعدّى خوفه الحد الشرعي المطلوب، فلا بدّ حينئذٍ أن يعدّل ويمدّ بشيء يحدث موازنة؛ وهو الرجاء الذي هو حالة طبيعية عند المؤمن.

لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء؛ فبالخوف ينكفّ عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات.

الإمام ابن كثير

3-الرجاء ضد اليأس، واليأس هو اعتقاد فوات رحمة الله وقطع القلب عن التماسها، وهو سبب للضلال والكفر، يقول تعالى { وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف: 87]


3) الخوف

(وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُ) [آل عمران: 30]
مفهوم الخوف من الله

والخوف من الله من العبادات القلبية العظيمة، قال تعالى{ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 175] وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، والتأكيد على أنه من لوازم الإيمان؛ فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله.

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: “سألت النبي ﷺ عن هذه الآية{ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } [المؤمنون: 60]؛ أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟! قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم(رواه الترمذي)

دواعي الخوف من الله

1-إجلال الله جل وعز وتعظيمه لعلمهم به وبأسمائه وصفاته{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [النحل: 50]

2-الخَوف أن يكون مَصيره إلى ما يَكره، من العذاب الأليم في النار وبِئس المصير.

3-شعوره بالتقصير تِجاه الواجبات التي عليه مع إدراكه لعلم الله واطلاعه عليه وقدرته عليه، وعدم النظر إلى صِغَر المعصية بِقَدر النظر إلى عَظمة من عصى سبحانه.

4-تَدَبُّر كَلام الله سبحانه المَلِيء بالوعيد والتهديد لمن عَصى الله وأَعْرَض عن شَرعِه، وتَرك النُّور الذي أُرسل إِليه.

5-تدبر كلام الله ورسوله والنظر في سيرته ﷺ.

الخوف من الله يستلزم العلم به، والعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته.

6-التفكر في عظمة الله جل وعز؛ فإنه مَن تفكر في ذلك يقع على صفات الله جل جلاله وكبريائه، ومن شهد قلبه عظمة الله تعالى علم شأن تحذيره فخاف الله لا محالة، قال{ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] وقال جل وعز { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ }[الزمر: 67]

7-التفكر في الموت وشدته، وأنه لا مفر منه: { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ } [الجمعة: 8] ، فهذا يوجب الخوف من الله، قال ﷺ: “أكثروا ذكر هادم اللذات (الموت)؛ فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه” (رواه الطبراني).

8-التفكر فيما بعد الموت، وفي القبر وأهواله، قال ﷺ: “كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة” (رواه ابن ماجه)، وعن البراء قال: “كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس على شفير القبر، فبكى حتى بلّ الثرى، ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدّوا (رواه ابن ماجه)، وقال جل وعز{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33]

9-التفكر في عاقبة محقرات الذنوب التي يحقرها الناس، وقد مثلها النبي ﷺ بقوم نزلوا بطن واد، فجاء هذا بعود وهذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وهناك ارتباط بين الأعواد وإيقاد النار، وبين الذنوب وما تسبب من نضج جلود العصاة{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } [النساء: 56]

10-أن يعلم العبد أنه قد يحال بينه وبين التوبة بموت مفاجئ، وأن الحسرة حينها لا تنفع، قال تعالى{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ } [المؤمنون: 99]، وقال{ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ } [مريم: 39]

11-التفكر في سوء الخاتمة، قال تعالى{ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50]

12-أن تجالس أناسًا يكسبونك خشيةً وخوفًا من الله؛ قال جل وعز{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [الكهف: 28]

متعلقات الخوف من الله

الخوف من الله يتعلق بأمرين:

أ – الخوف من عذابه: الذي توعد به من أشرك معه غيره ومن عصاه وجانب تقواه وطاعته

ب – الخوف من الله: وهو خوف العلماء والعارفين به{ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] ، وكلما زادت المعرفة بالله زادت الخشية منه، قال الله جل وعز{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر: 28] ؛ لأنه لما اكتملت معرفتهم بربهم وأسمائه وصفاته آثروا الخوف، ففاض الأثر على القلب ثم ظهر على الجوارح.

ثمرات الخوف من الله

أ- في الدنيا:

إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها.

أنه من أسباب التمكين في الأرض وزيادة الإيمان والطمأنينة؛ لأنك إذا حصل لك الموعود وثقت أكثر، قال جل وعز{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } [إبراهيم:13 - 14]

يحث على العمل الصالح والإخلاص فيه، وعدم طلب المقابل في الدنيا؛ فلا ينقص الأجر في الآخرة، قال تعالى{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ٩ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا }[الإنسان:9 - 10] وقال{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ٣٦ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } [النور:36 - 37] أي: تضطرب وتتقلب، وهذا هو الذي دفعهم للعمل؛ يريدون النجاة، ويحذرون الهلاك، ويخافون أن يؤتوا كتبهم بشمائلهم.

ب - في الآخرة:

من خاف الله دلّه الخوف على كل خير.

1-يكون العبد في ظل العرش يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ: “..ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال؛ فقال إني أخاف الله..” (رواه البخاري)؛ وظاهر الحديث أنه يقولها بلسانه ليزجر المرأة عن فعلها، وليذكر نفسه، ويصر على موقفه ولا يتراجع بعد إعلان المبادئ، “..ورجل ذكر الله خاليًا؛ ففاضت عيناه..” (رواه البخاري)؛ الخشية الموجبة لدمع العين تؤدي إلى أن النار لا تمس العين يوم القيامة.

2-أنه من أسباب المغفرة، وشاهد ذلك حديث النبي ﷺ: “أن رجلا كان قبلكم رزقه الله مالًا، فقال لبنيه لما حُضِرَ: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف؛ ففعلوا فجمعه الله جل وعلا، فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته!!” (رواه البخاري)، فعذره الله بجهله، وشفع له خوفه من ربه، وإلا فالذي ينكر البعث كافر.

3-يوصل صاحبه للجنة لأن النبي ﷺ قال: “من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة” (رواه الترمذي).

4-الأمن يوم القيامة قال الله تعالى في الحديث القُدسي: “وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة” (رواه البيهقي).

6-الدخول فيما وصف الله به عباده المؤمنين في مثل قوله تعالى{ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ } [الأحزاب: 35] ، فكلها ألفاظ شريفة يُسعى لحيازتها، قال تعالى{ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ١٦ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [السجدة:16 - 17] وقال تعالى{ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } [الزمر: 9] وقال { وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ٢٧ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ } [المعارج:27 - 28]وأثنى الله على أقرب عباده، وهم الأنبياء؛ لخوفهم منه{ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90]، بل الملائكة أنفسهم يخافون ربهم، قال تعالى{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }[النحل: 50]

7-الرضا من الله تعالى{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } [البينة: 8]

خوف العارفين بالله

إن العارفين بالله على حسن عملهم ورجائهم بالله جل وعز؛ إلا إنهم يخافون منه تعالى ويخشونه أشد ما تكون الخشية؛ ومن أمثلة ذلك:

- بكائه صلى الله عليه وسلم وهو يصلي حتى يسمع لصدره الشريف صلى الله عليه وسلم أَزِيز كأزيز المِرجَل من البكاء) رواه أحمد وأبو داوود والنسائي.

ـ أبو بكر رضى الله عنه يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني المهالك;، ويقوليا ليتني كنت شجرة تؤكل.

ـ عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: يا ليتني لم أكن شيئًا مذكورًا، يا ليت أمي لم تلدني، ويقول: لو مات جمل ضياعًا على جانب الفرات لخشيت أن يسألني عنه الله يوم القيامة، ويقول: لو نادى منادٍ من السماء: يا أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا واحدًا لخفت أن أكون أنا هو”!!

ـ عثمان بن عفان رضى الله عنه يقول: وددت لو أنني لو مت لم أبعث، وهو الذي كان يقطع الليل تسبيحًا وصلاةً وتلاوةً.

ـ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقرأ قوله تعالى{ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ } [الطور: 27] في صلاتها فتبكي وتبكي{ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [المائدة: 118]

أحكام الخوف وتنبيهاته

1- الخشية أخص من الخوف؛ فالخشية لمن كان بالله أعلم { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [فاطر: 28]، ، خوف مقرون بمعرفة، قال النبي ﷺ: “أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له” (رواه مسلم)، وعلى قدر العلم والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته وكماله وجلاله والمعرفة به يكون الخوف والخشية.

{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28]

2-ينفع الخوف إذا حثَّ على الاجتهاد والعمل والتوبة مع الندم والإقلاع، فالخوف ينشأ من معرفة قبح الجناية والتصديق بالوعيد، ومن معرفة الله الكبير العظيم المتعال، ولا يتصور خوف من الله لا يدعوا للعمل والاجتهاد والتوبة.

من خاف الله لم يضره أحد، ومن خاف غيره لم ينفعه أحد

الفضيل بن عياض

3-الخوف من الله واجب من الواجبات وهو من مقتضيات الإيمان، وهو مِن أَجَل مَنازل الطريق وأنفعها للقلب، وهو فرض على كل إنسان، ويمنع منه المعاصي والدنيا والرفقة السيئة والغفلة وتبلّد الإحساس.